جهاد فاضل … و الفكر العربي المحتضر.

By hamidtaha

 

بهذه الرسمة ، رأى حلمي التوني أن يمثل مقال جهاد فاضل المعنون “احتضار الفكر العربي” المنشور في مجلة “الكتب وجهات نظر” عدد مائة و أحد عشر من السنة العاشرة ، أبريل 2008.

و حلمي التوني ، مضيفا اللحية و النعل المخلوع ، يعلن نظرته لما يعالجه المقال ، و انطباعه عن الحالة الفكرية العربية ، و تعليله لأسباب هذه الحالة. و في إبراز جانب واحد من الوجه ، و عين واحدة متحدية في بلاهة و لا مبالاة ، و اليدين على الكرش – في إبراز هذا كله يقول: إعيذها نظرات منك فاحصة – أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.

لكن هذا تحديدا ما يقوله جهاد فاضل …

’’ … المشكلة تبدأ عندما يتصور بعضنا أن الورم هو شحم لا مؤشر على مرض ، فيتعامل بالتالي مع هذا المرض على أنه دليل صحة و عافية …‘‘

حديث جهاد فاضل يبدأ بنقله لانطباعات مستعرب فرنسي ’’محب للعرب و مطلع اطلاعا جيدا على ثقافتهم ، و مشهور بالدفاع عنهم في منابر بلاده الأكاديمية و الإعلامية‘‘

يقول المستعرب …

’’ … إن العرب غائبون غيابا تاما عن حركة الفكر العالمي ، غير مؤثرين فيها ، أو مضيفين إليها ، أو حتى مطلعين عليها الاطلاع الكافي.‘‘

’’ … إذا كنتم تظنون أن ترجمة روايات نجيب محفوظ أو سواه … أو ترجمة أشعار لأدونيس أو محمود درويش قد ضمن لأدبكم العالمية ، فأنتم مخطؤون.‘‘

’’ … هل إذا اطل المرء على تاريخ الفكر الماركسي في القرن العشرين يلمح فكرة ماركسية ذات شأن لمفكر ماركسي عربي؟‘‘

’’ … المحاولات العربية للتفلسف كانت في الواقع عالة على الفكر العالمي و مستندة إليه ، أو مأخوذة منه أحيانا كثيرة أخذا حرفيا أو شبه حرفي.‘‘

’’ … لقد اندفع نقادكم للتعامل مع صندوق النقد الدولي ، و مقره باريس هذه المرة ، فهل أودعوا في هذا الصندوق إضافة عربية واحدة ، أم كانوا على الدوام من المدينين؟‘‘

’’إية صلة لإيهاب حسن أو لإدوارد سعيد بثقافتكم … وأحمد زويل و نوبل الكيمياء ينطبق عليها ما انطبق على إيهاب حسن و إدوارد سعيد.‘‘

’’ … ألححتم على قصيدة النثر ، و على أشعار وصفتوها بالحداثية ، و لا حداثة فيها … و في خضم ما لا يقل عن نصف قرن من نضال عاثر في سبيل إرساء شعر عربي يتصف بالحداثة ، فقد الشعر العربي ألقه و أريجه كواحد من أعظم تراثات الشعر في العالم.‘‘ 

و ينتقل حديث جواد فاضل من ملاحظات المستعرب إلى مشاهداته شخصيا ، و المرارة التي يشعر بها ، و محاولاته لإيجاد دليل على وجود فكر عربي أصيل ، فيحدثنا عن افتقاده للمتميز في قراءاته و قراءات آخرين ممن يعرفهم ، و عن وهم “القصة ديوان العرب الجديد” ، و عن إخلاص – أو بالأحرى عدم إخلاص – المفكرين العرب على اختلاف توجهاتهم و انتمائاتهم ، متسائلا عما حدث للفكر العربي في مرحلة ما بعد التنوير ، و عن وهن عزم الحركة الفكرية ، و المسببات التي أدت إلى الوضع الحالي.

يقول جهاد فاضل …

’’شيء ما من عدم الجدية و الرصانة و المتانة يحوم في أفق جامعاتنا و منابرنا الثقافية ، و شيء ما من انعدام البوصلة يجعل التواصل بيننا و بين العالم الخارجي صعبا ، بل متعذرا مع الوقت.‘‘

’’الماضي يلهم طبعا ، و لا يمكننا الاستغناء عنه أبدا ، و لكن المشكلة في تحوله إلى معتقل – تعتقل فيه أنفسنا ، و لا نتمكن من الخروج منه فيما بعد.‘‘

’’ … لا يوجد فكر في بلدان متخلفة اقتصاديا ، و في ظل أوهام سياسية … لا يوجد فكر في ظل سيادة فكر خرافي يشرح الماضي ، و ينوع عليه ، و لا يجرؤ على نقده … و كيف يتم نقد الماضي ، لا بسبب شرطة الدولة ، و أجهزتها القمعية و حسب ، بل أيضا بسبب رقيب آخر ، أشد قسوة و همجية هو ما يمكن تسميته بالرقيب العام أو بالنظام العام السائد في المجتمع و الذي يحول دون المساس بكل ما هو ثابت أو مستقر في فكر الجماعة.‘‘

قد تأخذنا الحماسة ، و نحسب أن جهاد فاضل ، أو مستعربه ، أو هشام جعيط الذي يستشهد به جهاد بقوله أنه لا يوجد إلا مفكر عربي واحد و هو عبد الله العروي. قد نحسب أن في هذا المقال ما لا يطاق من التحامل ، أو التجني. و قد نحسب – في ترو – أن حديثه حقا ، لكن النية خالية من الصفاء. لكننا ، و في مجمل الأحوال ،  لا نستطيع أن نتجاهل تململنا و امتعاضنا – بل و أحيانا ثورتنا – من نتاج العالمين فينا و العاملين في مناحي الدين أو الأدب أو السياسة أو الفن أو العلوم.

و قد يقول قائل أننا لم نمنح مجالا من الحرية حتى نفكر و ننتج و نساهم. و لكن في هذا القول تناسي لأننا أصحاب فكر قد سنحت لنا الفرصة أن نبدأ منه ، و نبني عليه. و في هذا القول أيضا تناسي للتراخي العام الذي نمارسه في إدارة مواردنا من الوقت و العقول و الأرض و الطاقة – حتى تراثنا ، نستغله و نسئ إليه في اعتبارنا أنه مهمتنا الوحيدة أن نحافظ عليه كما هو ، فلا إضافة إليه ، و لا تعديل فيه ، و لا نقد عليه. فغاية المراد أن نعيش به ، و نموت به ، و كان الله غفورا رحيما ، لأنه لا يكلفنا ما لا طاقة لنا به!

تمضي العقود ، و الناس تقول و تكتب و ترسم و تغني ، و نقرأ و نسمع و نرى ، لكننا على الرغم من مجهودهم و مجهودنا كما نحن – بل نتراجع مما كنا عليه. إننا حتى نفتقد التفاعل الآني الفعال في مجتمعاتنا. و لنسأل من نشاء ، على سبيل المثال ، عن من جاور الدهر حينا ، إذا كان شعر باختلاف خطب أو قداسات أو خبار أو علوم اليوم ، عن ما سمع من عشر سنين ، أو خمسين سنة ، ناهينا عن ما لم يتغير منذ أزل التاريخ.

 و قد عشنا أزمانا تنازعتنا فيها ندائات دينية ، و علمانية ، و اقتصادية ، و قومية عربية ، و شعوبية ،  و اسستسلامية ، فأين حصيلة هذه التنازعات الفكرية؟ و أين نتاج هذه الحوارات؟ و كتجمع إنساني يتقاسم أرضا و مواردا و مصيرا ، لماذا خرجنا من هذه الأزمان بدون إدراك أتم بأخطائنا و زلاتنا ، و بدون معرفة تجنبنا تكرارها و ترسينا في مستقبل أفضل. 

إن جهاد فاضل مخلص في ما كتب ، و هو ليس بالداعي لردم الماضي الذي ندين له ، على محاسنه و علاته ، بتكويننا. و المدرك لطبائع الأمور يدرك أن التنصل من ماضينا يستحيل حتى من الناحية العملية. لكن البلاهة الحقيقية هي أن نسكن إلى الماضي و نركن إليه ، شاعرين بالاكتفاء و مؤمنين أن حقيقة العالم هي كما نريد أن نراها ، و ليست كما شائت لها همم الشعوب أن تكون.

الأوسمة:

اترك رد