أرشيف ‘طويل’ التصنيف

بماذا نعتبر من فوز أوباما … ؟

نوفمبر 11, 2008

لنا أن نعتبر بأشياء كثيرة من فوز باراك أوباما …

لنا أن نعتبر – مثلا –  بأن السياسة لا تعرف ألوانا ، و تقبل أن تلعبها كل الألوان ، تماما كما تقبل أبدا أن تلعب بجميع الألوان و مصائرها ، و حتى بالتفاصيل الدقيقة في حياتها اليومية …

و لنا أن نعتبر – أيضا على سبيل المثال – أن الإصلاح الحقيقي ممكن على الرغم من “عواجيز الفرح” ، بل إنه من الممكن أن يكون بمباركتهم إذا توائمت الظروف مع الرغبة الحقيقية في التغيير. فمخطئ من يظن أن دخول أوباما في سباق الترشيح و من ثم سباق الرئاسة كان ممكنا أو واردا بأي شكل من الأشكال بدون قبول القاعدة الأساسية للديمقراطيين. و بالمقابل ، فإن تدرج ماكين إلى الترشيح لسباق الرئاسة كان مستحيلا بدون مباركة القاعدة الأساسية الجمهوريين.

(و ربما كانت هذه المباركة هي الباعث الأول و الأكبر لخسارة المرشح الجمهوري. و بما أنه قليل من قرارات السياسة الجادة تصدر عن عفوية أو عشوائية ، فإن هذه المباركة في ذاتها تنبئ عن عدم وجود نية للحزب الجمهوري في بذل أي جهد حقيقي في هذا السباق.)

لكن الدرس الأكبر في هذا الفوز يستقى من إدارة الرئيس الجديد لحملته الانتخابية.

كان القرار في فبراير 2007 بإعلان أوباما تدشين الحملة الانتخابية مستندا على معرفة تامة بأن الطريق إلى الرئاسة ليس عاديا …

فمن ناحية ، كان انعدام الثقة في المؤسسات السياسية الأمريكية قد وصل إلى مراحل اليأس ، و لم يكن الأداء العام للحزب الديمقراطي في انتخابات 2004 باختياره و تقديمه لجون كيري كمرشح للرئاسة مبعثا للاطمئنان على قدرة الحزب التنظيمية.

(و لنا أن نرى التشابه بين أسس اختيار الديمقراطيين لجون كيري في 2004 ، و اختيار الجمهوريين لجون ماكين في 2008 ، و أن الاختيار في الحالتين ، و ما تبعه من و قصور و تخبط و أخطاء في الحملة الانتخابية في الحالتين ، يجعلنا نشك أكثر في صدق النية. و لنتذكر أن أداء جورج بوش عند نهاية فترته الأولى كان قد سبب ما يكفي من الامتعاض للسعي إلى تغييره لو أن بديلا حقيقيا تواجد على الساحة.)

لكن بحلول انتخابات الكونجرس في سنة 2006 كان التذمر من قرارات جورج بوش و إدارته للحرب ، إلى جانب رد الفعل على الأحداث الداخلية – كإعصار كاترينا على سبيل المثال – أدى إلى مكاسب حقيقية للديمقراطيين في الكونجرس قابلة للاستغلال.

و من ناحية أخرى ، فإن مقدمات الأزمة الاقتصادية الراهنة كانت بادية في بدايات 2007 ، و لم يكن الأداء الاقتصادي الامريكي بشكل عام يبشر بأي تحسن جاد في زمن قريب ، و كان في هذا إيضا مجالا للاستغلال.

و كان على أوباما أن يواجه مرشحين آخرين في الحزب ، منهم من يتمتع بشعبية موروثة من عهد ديمقراطي ذهبي على الرغم من ما شابه من فضائح سياسية. و على الرغم من أن طول السباق بين أوباما و كلينتون كان سيعرض الحزب لانقسام داخلي حاد ، إلا أنه يجب أن يحتسب هذا السباق – الذي امتد فعليا إلى ما قبل مؤتمر الحزب الديمقراطي بأيام – على أنه جاء في صالح الديمقراطيين بما سببه من تراخي و تساهل في حملة الجمهوريين.

و كان عليه أيضا أن يثبت أنه قادر على خوض المعارك السياسية على مستوى الحزب ، و أنه يستطيع تحمل مسؤوليات البيت الأبيض ، و أنه باستطاعته تقديم نتائج سياسية  حقيقية. و ليس أدل على هذه الاستطاعة أنه أصبح بالفعل الرئيس القادم للولايات المتحدة.

أدار أوباما حملته في هذا السباق بطريقة غير تقليدية ،  أيدت نيته المعلنة في التغيير ، بالإضافة إلى العزم على الابتعاد عن السبل الشائعة للسياسيين في واشنطن. و لم يكن في هذا إعلانا للابتعاد المطلق عن السياسة – كما أثبتت مجريات الأمور فيما بعد. إن العيب الأساسي الذي أعلن أوباما أنه يريد أن يتفاداه هو الغرق في السياسة لغرض السياسة ، لا لغرض خدمة الشعب أو لغرض منفعة الوطن. أي أن نقده للسياسة في واشنطن كونها مفرّغة – في نظر الناس – من أي فائدة ترجى ، و أنها في مجملها أصبحت بعيدة عن مطالب الناس ، و أصبحت أقرب إلى مطالب الشركات الكبرى و من يمثلها في اللوبييات المختلفة. و من هنا نستظهر متطلبا أساسيا للخوض في سباق الرئاسة و هو التواصل المباشر مع الناس ، تواصلا من طابعه إدراك مخاوف الشعب الأمريكي ، سواء كانت حقيقية أو وهمية ، و من سماته إبداء نية صادقة في التجاوب لمطالبهم و تطلعاتهم. و كان السبيل لهذا التواصل هو شبكة الإنترنت – ليس فقط في الوصول إلى الناس ، بل في مد قنوات الاتصال بين جميع مستويات العمل في الحملة الانتخابية ، و بين شعبه المختلفة بين تخطيط و تدبير و تأمين و تنفيذ.

و الحق أن استخدام الإنترنت بالمستوى الذي رأيناه في حملة أوباما يكاد يكون غير مسبوقا ، و يعتبر نتاج سنوات من خبرات في مجالات مختلفة من العمل الجماعي و التعاوني الذي لم يكن معروفا أو حتى موجودا قبل حلول الإنترنت. و لنذكر مثلا موسوعة ويكيبيديا التي بالرغم من ما نالته من نقد و على الرغم من أنها ما زالت في تطور مستمر ، إلا أنها و بفضل العمل المشترك تعتبر المرجع الأول و الأسرع لكثير من استفسارات عامة المستخدمين. و المتطلع لتفاصيل العمل بداخل ويكيبيديا يرى أنها كمنظومة مؤسسية متشعبة في قطاعاتها المختلفة ، مسؤولة عن إدارة كم هائل من المعلومات و الاتصالات و العمل ، إلى جانب أنها – في الأحيان التي تتطلب فيها جمع تبرعات لمباشرة أعمالها – تصل فيها التبرعات إلى ما يتعدي المليون في غضون أيام قليلة ، بل ساعات. و إذا أخذنا مجمل النشاط المسؤول عن البرمجيات الحرة ، و الجودة الناتجة عنه ، إلى جانب الأعمال الفنية و الأدبية و الترفيهية التي تنتج معه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، لتأكدنا من قدرة العمل المشترك و التطوعي المنظم على الوصول إلى نتائج تضاهي في أحيان كثيرة نتاج العمل التجاري الذي أساس مساعيه الربح.

و قد كان لأوباما هذه القدرة الجبارة منبعا لا ينضب ، لكن إدارته لها ، و اختياره لمن يساعده و ينوب عنه في إدارتها ، كانت هي الفيصل دائما في جميع مراحل السباق. و هذه الإدارة التي نتطلع لأن نعرف دقائقها في الإيام القادمة ، هي العبرة الأكبر من هذا الفوز المدهش بجميع المقاييس.

و أخيرا ، فإذا كان ما أخذ على أوباما في بادئ السباق أنه مجرد رجل من شيكاجو “كلامه حلو” ، فإن أبا الكلام الحلو قد استطاع الوصول إلى المنصب الذي ابتغاه. و هو الآن يملك رأس مال ليس فقط من أغلبية في شقي الكونجرس ، لكن أيضا من رغبة و أمل في التغيير عند الشعب الأمريكي خاصة ، و عند شعوب العالم بوجه عام. و ليس لنا الآن إلا أن ننتظر حتى نعرف كيف يتدبر الرئيس الجديد أمر هذا الرصيد.

جهاد فاضل … و الفكر العربي المحتضر.

أبريل 30, 2008

 

بهذه الرسمة ، رأى حلمي التوني أن يمثل مقال جهاد فاضل المعنون “احتضار الفكر العربي” المنشور في مجلة “الكتب وجهات نظر” عدد مائة و أحد عشر من السنة العاشرة ، أبريل 2008.

و حلمي التوني ، مضيفا اللحية و النعل المخلوع ، يعلن نظرته لما يعالجه المقال ، و انطباعه عن الحالة الفكرية العربية ، و تعليله لأسباب هذه الحالة. و في إبراز جانب واحد من الوجه ، و عين واحدة متحدية في بلاهة و لا مبالاة ، و اليدين على الكرش – في إبراز هذا كله يقول: إعيذها نظرات منك فاحصة – أن تحسب الشحم فيمن شحمه ورم.

لكن هذا تحديدا ما يقوله جهاد فاضل …

’’ … المشكلة تبدأ عندما يتصور بعضنا أن الورم هو شحم لا مؤشر على مرض ، فيتعامل بالتالي مع هذا المرض على أنه دليل صحة و عافية …‘‘

حديث جهاد فاضل يبدأ بنقله لانطباعات مستعرب فرنسي ’’محب للعرب و مطلع اطلاعا جيدا على ثقافتهم ، و مشهور بالدفاع عنهم في منابر بلاده الأكاديمية و الإعلامية‘‘

يقول المستعرب …

’’ … إن العرب غائبون غيابا تاما عن حركة الفكر العالمي ، غير مؤثرين فيها ، أو مضيفين إليها ، أو حتى مطلعين عليها الاطلاع الكافي.‘‘

’’ … إذا كنتم تظنون أن ترجمة روايات نجيب محفوظ أو سواه … أو ترجمة أشعار لأدونيس أو محمود درويش قد ضمن لأدبكم العالمية ، فأنتم مخطؤون.‘‘

’’ … هل إذا اطل المرء على تاريخ الفكر الماركسي في القرن العشرين يلمح فكرة ماركسية ذات شأن لمفكر ماركسي عربي؟‘‘

’’ … المحاولات العربية للتفلسف كانت في الواقع عالة على الفكر العالمي و مستندة إليه ، أو مأخوذة منه أحيانا كثيرة أخذا حرفيا أو شبه حرفي.‘‘

’’ … لقد اندفع نقادكم للتعامل مع صندوق النقد الدولي ، و مقره باريس هذه المرة ، فهل أودعوا في هذا الصندوق إضافة عربية واحدة ، أم كانوا على الدوام من المدينين؟‘‘

’’إية صلة لإيهاب حسن أو لإدوارد سعيد بثقافتكم … وأحمد زويل و نوبل الكيمياء ينطبق عليها ما انطبق على إيهاب حسن و إدوارد سعيد.‘‘

’’ … ألححتم على قصيدة النثر ، و على أشعار وصفتوها بالحداثية ، و لا حداثة فيها … و في خضم ما لا يقل عن نصف قرن من نضال عاثر في سبيل إرساء شعر عربي يتصف بالحداثة ، فقد الشعر العربي ألقه و أريجه كواحد من أعظم تراثات الشعر في العالم.‘‘ 

و ينتقل حديث جواد فاضل من ملاحظات المستعرب إلى مشاهداته شخصيا ، و المرارة التي يشعر بها ، و محاولاته لإيجاد دليل على وجود فكر عربي أصيل ، فيحدثنا عن افتقاده للمتميز في قراءاته و قراءات آخرين ممن يعرفهم ، و عن وهم “القصة ديوان العرب الجديد” ، و عن إخلاص – أو بالأحرى عدم إخلاص – المفكرين العرب على اختلاف توجهاتهم و انتمائاتهم ، متسائلا عما حدث للفكر العربي في مرحلة ما بعد التنوير ، و عن وهن عزم الحركة الفكرية ، و المسببات التي أدت إلى الوضع الحالي.

يقول جهاد فاضل …

’’شيء ما من عدم الجدية و الرصانة و المتانة يحوم في أفق جامعاتنا و منابرنا الثقافية ، و شيء ما من انعدام البوصلة يجعل التواصل بيننا و بين العالم الخارجي صعبا ، بل متعذرا مع الوقت.‘‘

’’الماضي يلهم طبعا ، و لا يمكننا الاستغناء عنه أبدا ، و لكن المشكلة في تحوله إلى معتقل – تعتقل فيه أنفسنا ، و لا نتمكن من الخروج منه فيما بعد.‘‘

’’ … لا يوجد فكر في بلدان متخلفة اقتصاديا ، و في ظل أوهام سياسية … لا يوجد فكر في ظل سيادة فكر خرافي يشرح الماضي ، و ينوع عليه ، و لا يجرؤ على نقده … و كيف يتم نقد الماضي ، لا بسبب شرطة الدولة ، و أجهزتها القمعية و حسب ، بل أيضا بسبب رقيب آخر ، أشد قسوة و همجية هو ما يمكن تسميته بالرقيب العام أو بالنظام العام السائد في المجتمع و الذي يحول دون المساس بكل ما هو ثابت أو مستقر في فكر الجماعة.‘‘

قد تأخذنا الحماسة ، و نحسب أن جهاد فاضل ، أو مستعربه ، أو هشام جعيط الذي يستشهد به جهاد بقوله أنه لا يوجد إلا مفكر عربي واحد و هو عبد الله العروي. قد نحسب أن في هذا المقال ما لا يطاق من التحامل ، أو التجني. و قد نحسب – في ترو – أن حديثه حقا ، لكن النية خالية من الصفاء. لكننا ، و في مجمل الأحوال ،  لا نستطيع أن نتجاهل تململنا و امتعاضنا – بل و أحيانا ثورتنا – من نتاج العالمين فينا و العاملين في مناحي الدين أو الأدب أو السياسة أو الفن أو العلوم.

و قد يقول قائل أننا لم نمنح مجالا من الحرية حتى نفكر و ننتج و نساهم. و لكن في هذا القول تناسي لأننا أصحاب فكر قد سنحت لنا الفرصة أن نبدأ منه ، و نبني عليه. و في هذا القول أيضا تناسي للتراخي العام الذي نمارسه في إدارة مواردنا من الوقت و العقول و الأرض و الطاقة – حتى تراثنا ، نستغله و نسئ إليه في اعتبارنا أنه مهمتنا الوحيدة أن نحافظ عليه كما هو ، فلا إضافة إليه ، و لا تعديل فيه ، و لا نقد عليه. فغاية المراد أن نعيش به ، و نموت به ، و كان الله غفورا رحيما ، لأنه لا يكلفنا ما لا طاقة لنا به!

تمضي العقود ، و الناس تقول و تكتب و ترسم و تغني ، و نقرأ و نسمع و نرى ، لكننا على الرغم من مجهودهم و مجهودنا كما نحن – بل نتراجع مما كنا عليه. إننا حتى نفتقد التفاعل الآني الفعال في مجتمعاتنا. و لنسأل من نشاء ، على سبيل المثال ، عن من جاور الدهر حينا ، إذا كان شعر باختلاف خطب أو قداسات أو خبار أو علوم اليوم ، عن ما سمع من عشر سنين ، أو خمسين سنة ، ناهينا عن ما لم يتغير منذ أزل التاريخ.

 و قد عشنا أزمانا تنازعتنا فيها ندائات دينية ، و علمانية ، و اقتصادية ، و قومية عربية ، و شعوبية ،  و اسستسلامية ، فأين حصيلة هذه التنازعات الفكرية؟ و أين نتاج هذه الحوارات؟ و كتجمع إنساني يتقاسم أرضا و مواردا و مصيرا ، لماذا خرجنا من هذه الأزمان بدون إدراك أتم بأخطائنا و زلاتنا ، و بدون معرفة تجنبنا تكرارها و ترسينا في مستقبل أفضل. 

إن جهاد فاضل مخلص في ما كتب ، و هو ليس بالداعي لردم الماضي الذي ندين له ، على محاسنه و علاته ، بتكويننا. و المدرك لطبائع الأمور يدرك أن التنصل من ماضينا يستحيل حتى من الناحية العملية. لكن البلاهة الحقيقية هي أن نسكن إلى الماضي و نركن إليه ، شاعرين بالاكتفاء و مؤمنين أن حقيقة العالم هي كما نريد أن نراها ، و ليست كما شائت لها همم الشعوب أن تكون.